عبد الملك الجويني
45
نهاية المطلب في دراية المذهب
وحكى صاحب التقريب عن الشافعي في الأم أنه قال : " ليس على النساء أذان ، وإِن جمعن الصلاة ، فإِن أذَّنَ وَأقمن ، فلا بأس ، وإِن تركت الإِقامة ، لم أكره لها مِن تركها ما أكره للرجال " ( 1 ) . هذا لفظ الشافعي في " الأم " . ومساقه مشعر بأمور منها : أن الإِقامة على الجملة مَأمور بها في حقها ؛ فإِنه قَدَّر في تركها كراهية ، وحطّ قدرها عن كراهية التركِ في حق الرجال ، وتَخصيصُه الإِقامة بالذكر في الكراهية دَليل على فصله بين الإِقامة والأذان ، وهو مشعر بأن لا كراهية عليها في ترك الأذان ، وقول الشافعي في الأذان والإِقامة " لا بأس " مشير إِلى أن الأمر لا يظهر في الأذان والإِقامة جميعاً ، فهذه وجوه في التردد . ونظم الأئمة من مجموع ذلك أقوالاً : أحدها - أن المرأة لا تؤذن وتقيم . والثاني - أنها تؤذن وتقيم . والثالث - تقيم ولا تؤذن ، ثم إِن أذنت لم ترفع صوتها . ومما نذكره مرسلاً أن الرجل إِذا انفرد بنفسه في الصلاة ، وكان ذلك في موضعٍ لم ينته إِليه صوتُ مؤذن ، فظاهر المذهب ، أنه يؤذن ويقيم ، وهو المنصوص عليه في الجديد . وفي بعض التصانيف قولٌ محكي عن الشافعي في القديم ، أنه لا يؤذن المنفرد ولكنه يقيم . وقال بعض أئمتنا : إِن كان يرجو حضور جمعٍ ، فالأذان مأمور به ، وإِن كان لا يرجو ، فلا يؤذن . وإِذا رأينا له أن يؤذن ، فالظاهر أَنا نُؤثر له رفعَ الصوت ، والأصل فيه ما روي أن النبي - عليه السلام - قال لأبي سعيد الخدري : " إنك رجل تحب الغنم والبادية ، فإذا
--> ( 1 ) ر . الأم : 1 / 73 . وسياقة عبارة الشافعي بهذه الصورة فيها حذفٌ ، وتمامها : " وليس على النساء أذان ولا إقامة ، وإن جمعن الصلاة . وإن أذن وأقمن ، فلا بأس . ولا تجهر المرأة بصوتها ، تؤذن في نفسها ، وتُسمع صواحباتها إذا أذنت ، وكذلك تقيم إذا أقامت ، وكذلك إن تركت الإقامة ، لم أكره لها من تركها ما أكره للرجال ، وإن كنت أحب أن تقيم " .